عطلة الأيام العشرة
كتبهافريد عيسى ، في 4 ديسمبر 2007 الساعة: 16:57 م
منذ فترة غير قصيرة تداول المواطنون والمقيمون عبر مختلف وسائل الاتصال جدولا يبين العطلات المتوقعة في ديسمبر والتي شاءت الصدف أن تكون متسلسلة لتفرح الموظفين حتى في القطاع الخاص رغم أن مكاسبهم أقل من زملائهم في القطاع العام ولتبعث الضيق في نفوس أصحاب الشركات والمؤسسات ..وكل من ينظر إلى الإجازات المتتالية بمنظار مختلف عن منظار الموظف الذي يظل مهما أخلص في عمله وأحبه يظل يبحث عن عطلة يرتاح فيها من عناء العمل والاستيقاظ في الصباح الباكر ويرتاح من عناء المواصلات والشوارع التي صارت مؤذية .
هذه المرة العطلة تمتد إلى عشرة أيام متصلة بالنسبة لموظفي الحكومة حيث تبدأ من الجمعة الرابع عشر من ديسمبر – كانون أول إلى الأحد الثالث والعشرين من الشهر نفسه ، فالجمعة يليه السبت وكلاهما عطلة أسبوعية ثم الأحد والاثنين 16 و17 عطلة العيد الوطني تليهما مباشرة عطلة يوم الوقوف بعرفة فالعيد واليومين التاليين له ثم السبت الذي هو عطلة ثم الأحد تعويضا عن الجمعة .ينقص من ذلك يومان أو ثلاثة أيام بالنسبة للعاملين في القطاع الخاص الذين لا يتمتعون إلا بيوم واحد إجازة أسبوعية ولا يستفيدون من إجازة الوقوف بعرفة.
في كل الأحوال فإن البلاد ستتعطل فيها المرافق والحياة نحو أسبوعين باعتبار أن البعض ( البعض الكثير ) سيستحوذ بطريقة أو بأخرى على يوم أو يومين قبل العطلة وبعدها مستفيدا من إجازات في رصيده أو محتالا عبر اتفاق خاص مع المسئول المباشر أو من خلال استخراج إجازة مرضية .
جميل أن يحظى العاملون بأيام إجازة يرتاحون فيها من عناء أشياء كثيرة ولكن سؤالا ينبغي أن يتصدى له المعنيون بالاقتصاد هو مدى تأثير هذه العطلة الطويلة على اقتصاد البلاد ، وهو سؤال لا يعني المستفيدين من العطلة لا من قريب ولا من بعيد .وإذا كانت الدولة قادرة على تحمل نفقات تعطل الحياة كل هذه المدة فهل القطاع الخاص قادرا على تحملها ؟
موضوع مهم أفترض أن يناقشه مجلسا النواب والشورى ويوجدان له مخارج تقلل (على الأقل) من الخسارة وتقلل من تعطل الحياة في مرافق المجتمع المختلفة .
أعرف أن هذا الكلام لن يعجب شرائح واسعة من المجتمع باعتبارهم مستفيدين من هذه العطلة ولكن لا بد من طرحه وبصوت عال حيث الوطن أهم وحيث المجتمع أهم من فرحة محدودة نقضيها في أيام وتنتهي ثم ننساها .أنا أبحث عن أرقام تبين مقدار الخسارة التي سنتكبدها جميعا بسبب مثل هذه العطل وأبحث عن مخارج تراعي الطرفين ( الدولة ..والموظف ) ولا بأس لو جاءت المخارج على حساب الموظف ، سواء كان ذلك في هذه العطلة أو في عطلات أخرى مقبلة .
طبعا ما قد لا ينتبه له البعض هو أن العطلة تعني في مفهومنا الضيق التوقف عن كل شيء بما في ذلك التفكير والقراءة والاطلاع وممارسة أي نشاط تعودنا على ممارسته ، فالعطلة للأسف الشديد حسب تفسيرنا المحدود لها تعني ( إن لم نسافر ) تعطيل العقل ومد ساعات النوم والإمساك بالريموت كونترول وتقليب محطات التلفزيون بحثا عن مواد تشعرنا أننا بعيدون عن الحياة ..لتنتهي بعد حين لنكتشف أننا لم نشبع منها وأننا لم نعد قادرين على العمل في أول يوم دوام وربما حتى في ثاني أو ثالث أو رابع يوم .
بهذا يمكننا القول إن العطلة الديسمبرية ليست عشرة أيام ولكنها أسبوعين أو أكثر تتعطل فيها الحياة بالكامل .ولكن إلى أي مدى هي صحيحة تصوراتي عن الخسارة ؟ سؤال مهم أيضا إجابته تختلف من شخص إلى آخر .أحد الأصدقاء قال إنني أهول من الأمر ليس إلا معللا ذلك بأن ناتج عمل الموظفين الحقيقي في أيام العمل العادية محدود وهو يشكل خسارة مستمرة فمن بين الساعات الستة التي يقضيها الموظف في عمله أربع ساعات ضائعة على الأقل ، وبالتالي فإن الخسارة في الأيام العشرة موضوع الحديث ستكون محدودة .
وجهة نظر مهمة ينبغي أن نخضعها هي الأخرى للدراسة ، فعندما تدفع الدولة للموظف راتبا عن ست ساعات عمل يوميا أي مائة وعشرين ساعة عمل أسبوعيا بينما لا يقدم الموظف عمليا إلا جهد ساعتين يوميا ( هذا طبعا لو كان نشيطا وله مزاج وأخذته الحماسة للعمل ) فهذا يعني أننا نعاني من خلل يحتاج إلى التوقف والتأمل والدراسة ووضع الحلول .
بالتأكيد الحديث هنا ليس عن الجميع فلا بد من وجود استثناءات لأنه " لو خليت خربت" ولكن الحال يمثل ظاهرة تستدعي الاستنفار مثلما أن عطلة في ديسمبر بهذا العدد من الأيام تستدعي الاستنفار كونها تتسبب في تعطيل الكثير من جوانب الحياة في هذا الوطن وخسائرها كبيرة حتى في ظل ساعات الانتاج غير الحقيقية .
لا بأس أن نفرح بالعطلة ولكن لا بد من النظر إليها أيضا بمنظار مختلف نغلب بها مصلحة الوطن على مصالحنا الشخصية ..فالعطلة إلى زوال بينما الوطن باق وهو عزنا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























