لا للتطبيع .. ولا للقرارات العاطفية أيضا
كتبهافريد عيسى ، في 6 نوفمبر 2009 الساعة: 09:52 ص
في مقالي المنشور في هذه المساحة الأحد الماضي تحت عنوان " قرار تجريم التعامل مع إسرائيل غير واقعي" والذي علقت فيه على المناقشات التي دارت في جلسة مجلس النواب بتاريخ الثلاثاء 27 أكتوبر – تشرين أول الماضي دعوت إلى الركون إلى الواقع عند مناقشة مختلف القضايا وليس إلى العاطفة وانتقدت القرار الذي توصل إليه النواب "بالإجماع" وملخصه تجريم التعامل مع إسرائيل و"حظر التعامل مع أي شخص أو جهة تتعامل مع أية جهة تكون إسرائيل طرفا فيها بشكل ظاهر أو مستتر " وهو ما يعني حسب ما هو ظاهر وقف التعامل مع أغلب بلدان العالم بما فيها الولايات المتحدة ووقف التعامل مع جل أو ربما كل المنظمات العالمية باعتبار أن هذه الجهات كلها تتعامل مع إسرائيل بشكل ظاهر .. وبالتأكيد وقف التعامل مع كل من يثبت أو يشك في تعامله مع إسرائيل بشكل مستتر ( وهي لمن لا يدري جهات كثيرة وأفراد غير قليلين ) ..بالإضافة إلى تقييد وزارة الخارجية وتضييق الهامش الذي تتحرك فيه .
لم أدع إلى التطبيع مع إسرائيل ولا أدعو إليه فهذه "الدولة" مارست وتمارس الكثير من الإجرام ، كما أن الدول العربية ومنها بالطبع مملكة البحرين متفقة عبر قرارات صدرت من جامعة الدول العربية على عدم الدخول في هذه الخطوة قبل استرجاع الشعب الفلسطيني كامل حقوقه وهو الأمر نفسه الذي تؤكد عليه مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود . أنا دعوت بوضوح إلى عدم الركون إلى العواطف في مناقشة موضوعات لها علاقة بالمصلحة العليا للمملكة خاصة وأن هناك أمورا وظروفا دولية ملزمة لا يمكن الإفلات منها بسهولة فنحن لسنا الدولة التي تستطيع أن "تناطح" العالم وليس من المنطقي وضع سور حولنا ووقف التعامل مع العالم الخارجي .
كانت دعوتي النواب الكرام إلى عدم تحكيم العواطف والابتعاد عن القرارات العاطفية واضحة في المقال، لكن مع هذا وصلتني العديد من التعليقات المنطلقة من العواطف الجياشة التي نكنها جميعا للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية فوصفني بعضها ب"اليهودي" واعتبرني بعضها من الدعاة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني والمسيئين إلى القضية الفلسطينية بينما دعاني آخرون إلى الإنتباه بأن ورائي يوما عظيما بعد هذه الحياة الدنيا سيحاسبني الله فيه على "جرأتي " هذه بينما دعا لي أحد القراء بأن " يوفقني الله خادما مطيعا لولاة الأمر وللجامعة العبرية ولأسيادنا في تل أبيب وواشنطن" .. وهو ما يعني اتهامي بالعمالة !
كان من السهل إبعاد نفسي عن كل هذه الإتهامات إما بعدم الكتابة في هذا الموضوع أو بالكتابة مؤيدا لقرار النواب والدعوة معهم إلى تجريم التعامل مع إسرائيل ولكن هذا للأسف لا يعني أبدا أن القرار صحيح وأنه لم يبن على العواطف . في موضوع كهذا (وفي وقت كهذا قريب من انتخابات جديدة ) لا يمكن لأي نائب أن يقف ضد القرار فلا أحد مستعد لتحمل اتهامات بأنه مع التطبيع مع إسرائيل و تضييع القضية الفلسطينية … تماما مثلما أنه لا يمكن لأي نائب أن يقف (مثلا) ضد قرار يتعلق بمنع الخمور وتداولها في الفنادق حتى لو كان يمتلك فندقا فيه بارات وحانات أو أنه "يبط البطل من تحت" فهذا جانب ديني واجتماعي لا يستطيع أن "يورط" نفسه فيه .
دونما شك فإن القرار موضوع الحديث يشبع عواطفنا ويعطينا فرصة للتنفيس لكنه عمليا لا تأثير له ، فالتعامل مع إسرائيل للأسف حاصل "شاهر ضاهر" من قبل جل الدول العربية إن لم يكن كلها وهو حاصل من قبل رجال أعمال كثيرين عربا و حتى خليجيين ولا يمكن لأي قرار أن يوقف هذا التوجه لأن الدول مصالح ولأن لرجال الأعمال مصالح أيضا (يمكنهم التفريط فيها قولا لكن ليس عملا ) .
قرار النواب يفرحنا كأفراد وكشعوب ويرضي عواطفنا لكنه غير واقعي لأنه يصطدم بالمصلحة العليا للدولة ويصطدم باتفاقات دولية والتزامات للدولة لا تستطيع الإفلات منها حتى لو أرادت ( ترى هل كان بإمكان الشيخة هيا بنت راشد آل خليفة مثلا أن ترفض الجلوس مع دبلوماسيين إسرائيليين وهي تشغل منصب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والستين ؟ ) .
ليس منا من هو مع إسرائيل وليس منا من يدعو إلى التطبيع مع هذه "الدولة" الغاصبة الظالمة ولكن مهم جدا أن لا نبني قراراتنا على قاعدة من العواطف فمثل هذه القرارات ترضينا كشعوب ولكنها قد تضرنا كدول حيث القراءة الواقعية لما يجري من حولنا من شأنها أن تبين لنا أمورا كثيرة لا يصلح التعامل معها بالعواطف ولا يصلح أن ينظر إليها النواب من باب "الجمهور عاوز كده " .
انتقاد قرار النواب لا يعني الدعوة إلى التطبيع أوتأييد إسرائيل مثلما أن تأييده و تمريره و تطبيقه لا يعني انتهاء القضية الفلسطينية أو زوال إسرائيل .
أعرف أن هذا الكلام "يعور القلب" ولكنه للأسف واقع .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























