يغيب الإصغاء ف”تختبص السالفة”
كتبهافريد عيسى ، في 17 يونيو 2009 الساعة: 08:26 ص
من مفتتح مقال جميل للشاعر البحريني المبدع قاسم حداد بعنوان "ديمقراطية الإصغاء" أستعير هذه الفقرة ( الإصغاء للآخر موهبة يستدعيها الحوار . فلكي تحسن الإسهام الحقيقي في أي حوار ستحتاج إلى موهبة أكثر حيوية من طاقة الكلام . تلك هي موهبة الصمت والإصغاء . فعندما لا تمتلك هذه الموهبة لن يتسنى لك الزعم بأنك شاركت بشكل إيجابي في الحوار ) .
وبعيدا عن المعاني العميقة التي يرمي إليها الشاعر فإنني استعرت هذه الفقرة للتمهيد بها للخوض في موضوع غياب ثقافة الإصغاء التي اعتبرها حداد في تالي مقاله المذكور أحد مكونات الديمقراطية حيث قال "إن الديمقراطية ليست في حرية الضجيج .. الحرية هي ديمقراطية الإصغاء" حيث غياب هذه الثقافة عنا يعني أننا نمارس الكلام فقط ولا نستمع أو نصغي إلى الآخر ويعني في وجه آخر هو أننا نسمع فقط ما نريد من الآخر أن نسمعه منه ، وهذا مخالف للديمقراطية .
أتذكر في هذا السياق كلام صديق قال إن التلفزيون استضافه ذات مرة مع اثنين آخرين للتحدث في موضوع ما وبعد انتهاء تسجيل الحلقة فوجئ بالمخرج يقول له ما معناه أنه كان "مسالما" وأنه كان "يتعين" عليه أن يقاطع المتحدثين الآخرين بين الحين والحين ويسهم في "شعللة" الحوار كي يخلق جوا ، معبرا عن قناعته بأن الجمهور "يحب " مثل هذه المقاطعات في برامج الحوارات .. وأتذكر أنني قلت للصديق إنني مثله تربيت على أسلوب مختلف ملخصه أن أكون هادئا وساكتا ومصغيا للآخر منتظرا أن ينتهي لأتكلم طامعا أن يكون صبورا مثلي فينتظر ريثما أنتهي من توضيح وجهة نظري لتعود إليه فرصة الحديث من جديد.
لازلت غير مستوعب لفكرة برنامج الاتجاه المعاكس بقناة الجزيرة مثلا وأرى أن المشاهد لا يستطيع أن يستوعب كل ما يدور بين الضيفين "المتقاتلين" فهو لا يكاد يمسك بخيط الفكرة التي يسعى أحدهما لتوصيلها إلا بوغت بمقاطعة الآخر له فتضيع الفكرة وصاحبها وسط الزحام . مرات عديدة تصورت نفسي ضيفا في مثل هذا البرنامج وقررت أن فيصل القاسم سيضطر في لحظة ما إلى طردي أو التوقف عن بث الحلقة فطبيعة البرنامج تقتضي أن يكون المشارك غير ممتلك لثقافة الإصغاء ويفترض فيه أنه لا يفهم قيمة السكوت ويعتبره نقصا وعيبا .
لكن هذا النوع من الحوارات التي يطغى فيها سلوك مقاطعة الواحد للآخرغير مقتصر على برنامج الاتجاه المعاكس فقد بات "موضة" في العديد من البرامج والكثير من الفضائيات فالحوار لا بد أن يكون "نارا" ليكون مقنعا ولا بد ألا يكون المشاركون فيه ممن لا يمتلكون مهارة الإصغاء وبالتالي لا بد أن يقاطع المتحاورون بعضهم البعض وتتداخل الأصوات ليعتبر البرنامج ناجحا وجماهيريا .
سلوك مقاطعة الآخر غير مقتصر على البرامج فقط ولكنه يمتد أيضا إلى الحوارات التي تجرى خلال نشرات الأخبار التلفزيزونية و الإذاعية فلا يكاد الضيف يبدأ الإجابة عن سؤال حتى يقاطعه المذيع ويسأله سؤالا آخر . ذات مرة استضاف تلفزيون خليجي مسئولا فلسطينيا فوجئ بمقاطعة المذيع له عدة مرات من دون مبرر فأبدى انزعاجه وكاد أن ينسحب من المقابلة و قال للمذيع قل ما تريد مني أن أقوله وسأوقع عليه !
بعض المذيعين في مختلف الفضائيات يبدو أنهم قد صلوا إلى قناعة مفادها أن الحوار لا يكون حوارا إن ترك الضيف يكمل حديثه فلا بد من مقاطعته ليبدو أن هناك حوارا ، بل أن المذيع يقاطع حتى الضيف الذي يتحدث من مكان بعيد جدا والذي يحتاج إلى بعض الوقت ليصله الصوت ف"تختبص السالفة" .
مقابل هذا الانفلات المعبر عن حالة عربية مغرقة في فهم غير صحيح للديمقراطية توجد حالات مناقضة لكنها قليلة أو ربما نادرة ، مثال على ذلك المقابلات التي كان يجريها هشام الديوان عبر بعض الفضائيات العربية والذي كان يبهر المشاهدين بهدوئه و صبره وقدرته على الإصغاء إلى الآخر فلا يقاطع المتحاور معه حتى لو أطال بل أنه في كثير من الأحيان كان يمدد وقت البرنامج كي يتمكن ضيوفه من توصيل كامل أفكارهم وهو أسلوب كان يعبر به عن احترامه لضيوفه ولمشاهديه.
في السياق نفسه شاهدت ندوة تلفزيونية بثتها إحدى الفضائيات العربية قبل سنوات شارك فيها نحو عشرة مثقفين عراقيين امتدت إلى نحو ساعتين ناقشوا خلالها أوضاع العراق لكن طوال الندوة لم يحدث أن قاطع أحدهم بما فيهم مدير الندوة المتحدث . لم اشاهد بعد تلك الندوة مثلها ولم أشاهد إلا أفرادا قليلين يمتلكون القدرة التي أشار إليها الشاعر حداد ، ما يعني أن ثقافة الإصغاء غائبة عن الحياة العربية التي لا تزال دون فهم هذه الأداة الديمقراطية المهمة ودون فهم الديمقراطية .
جرب الأمر بنفسك ، انضم إلى جلسة حوار أيا كان مستوى المشاركين فيها ستجد نفسك بعد بدئها بقليل وقد تهت بسبب تداخل الأصوات وارتفاعها والمقاطعات التي تحدث من الجميع للجميع . أحسب أن الأمر نفسه يحدث مع بعض القراء فهم رغم أنهم يقرأون لوحدهم إلا أنه يخيل لي أنهم يقاطعون أنفسهم أثناء القراءة ليناقشونك وينتقدونك بمعنى أنهم يتخذون منك موقفا ويسعون لمقاطعتك حتى قبل أن يكملوا المقال ف"تختبص السالفة" وتضيع أمور كثيرة .
الإصغاء أداة ديمقراطية مهمة نعاني من خلو ثقافتنا منها مثلما نعاني من توفر أدوات ديمقراطية أخرى لا نزال دون استيعابها وفهمها ..وتوظيفها.
أعرف أنها مرحلة انتقالية لا بد منها ولكنني آمل كآخرين ألا تطول .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























