كان قسم العلاقات العامة بوزارة الصحة قد وفر لي نسخة من وثيقة الالتزام بحقوق وواجبات المريض وودت منذ فترة حجز هذه المساحة لاستعراضها وطرح بعض التساؤلات حولها ولكن الأحداث السياسية المتتالية التي صارت للأسف جزءا من طبيعة هذه الأرض الطيبة وناسها ( حتى بدت السياسة خبزنا اليومي ) شغلتني عن هذا الموضوع الذي هو في اعتقادي مهم جدا حيث كثير من المرضى لا يعرفون ما لهم من حقوق أو ما عليهم من واجبات ، وحيث كثير من المتفق عليه بين الطرفين لا يطبق .
من الحقوق التي تقرها الوثيقة الصادرة عن وزارة الصحة في فبراير 2007 حق المريض في تلقي الرعاية الرحيمة والمحترمة التي تتناسب والعادات والتقاليد وحقه في أن يتم الاعتناء به من قبل طاقم مؤهل وكفء وحقه في أن يتلقى عناية فورية للحالات الطارئة وأن تتم معاينته من قبل طبيب استشاري أو من ينوب عنه خلال 24 ساعة من وقت الدخول ومن ثم بشكل منتظم .كذلك فإن من حقه الحفاظ على خصوصية وسرية معلوماته وبياناته الطبية والاجتماعية بحيث يتطلب نشر أو الإفصاح عن أي معلومات موافقته الخطية إلا في حالات معينة ( تبينها الوثيقة) .
من حق المريض ( حسب الوثيقة أيضا ) عدم التمييز في تلقي الرعاية الصحية والاهتمام اللائق ومن حقه التعرف على هوية الطبيب المعالج والممرضين والقائمين على رعايته بتسمياتهم الوظيفية ( حتى في حالة ما إذا كانوا أطباء مقيمين أو متدربين أو طلبة ) ، كما أن من حقه أن يرفض الكشف من قبل معالج من غير جنسه إلا في حالات الطوارئ وعدم وجود البدائل ، ومن حقه أيضا أن يتم إبلاغه بشكل واف عن تشخيص مرضه وخطة علاجه وأي مضاعفات أو آثار جانبية محتملة يهمه الاطلاع عليها ومتابعة علاجه باستخدام مصطلحات ومفردات واضحة ومفهومة من قبله مع توفير خدمة الترجمة عند الحاجة .
وغيرها من الحقوق التي أعتقد أن الكثيرين لا يعرفونها بالشكل الذي ينبغي معرفته ، تماما كما لا يعرفون بعض الواجبات التي هي من حق الدولة و وزارة الصحة و المستشفى والتي منها على سبيل المثال عدم التعدي على أي مرفق أو منشأة تابعة للمستشفى لأنها ملك عام والحرص على اتباع الخطة العلاجية المقررة وتحمل قرار رفض العلاج ، كذلك معاملته لمن يقدمون له الخدمة معاملة كريمة وعدم التعدي على حق المرضى الآخرين أو إفشاء ما يطلع عليه منهم وأن يراعي عاداتهم وأعرافهم وتقاليدهم .
كثيرة هي حقوق المريض وكثيرة هي الواجبات التي عليه الالتزام بها وهي للأسف تعتبر في بعض المجتمعات المتقدمة من الأمور العادية التي لا تحتاج إلى كتابتها في ورقة والتوقيع عليها ، فمن الطبيعي مثلا أن يلتزم المريض بقوانين وأنظمة المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج ومن الطبيعي أن يحترم الطبيب والفريق الطبي الذي يشرف على علاجه ومن الطبيعي أن يلتزم بالمحافظة على المستشفى ومحتوياته باعتباره مرفقا عاما ..ومن الطبيعي أن يحصل على العلاج كاملا بالطريقة اللائقة والمناسبة ، لكن هل هذا يمارس عندنا ؟
الجواب ليس عندي (ولو أنني أتوقعه) ولكن يمكن معرفته بالتفصيل من الأطباء العاملين والممرضين والممرضات ومن أي عامل في المستشفيات ، وبالمقابل فإن بعض الواجبات التي هي على عاتق المستشفى والتي هي من حقوق المريض يتم التقصير فيها يمكن الحصول على إجابتها من كثير من المرضى من المترددين على المستشفيات .
ما أرى أنه واقع هو أن كثيرا من المرضى لدينا لا يدركون جوانب من حقوقهم وجوانب من واجباتهم أو أنهم يدركونها ولكنهم لا يلتزمون بالوفاء بها ، وأن بعض الأطباء والعاملين معهم لا يدركون بعض واجباتهم أو أنهم يدركونها ولكنهم يتهاونون في تنفيذها ربما لاطمئنانهم أن العقاب غائب أو أنه بسيط ، وبالتالي توجد كمية من الحقوق للمرضى ضائعة وكمية من الواجبات التي هي من حق الطرف الآخر ( المستشفى ) ضائعة ، وهذا يعني أن الكثير من المشكلات التي تملأ أروقة المستشفيات في البحرين اليوم سببها التفريط في الحقوق والواجبات سواء من هذا أو ذاك الطرف أو من الطرفين معا وغالبا بسبب نقص علم.
من هنا صار لزاما نشر هذه الثقافة المهمة بين الناس ، لكن هذه المسئولية ينبغي ألا تقع فقط على عاتق وزارة الصحة لأنها مسئولية جهات عديدة في المجتمع ليس أولها الأسرة وليس آخرها المدرسة والجامع ، كما أن نشرها لا يكون بوسيلة واحدة فقط فليس كل مريض قارئ وليس كل قارئ يهتم بما في الورق ما يعني أهمية توظيف وسائل الاتصال الحديثة بأنواعها دون إغفال دور التلفزيون سواء عبر الإعلان أو الندوات أو المقابلات ، مع ملاحظة أن المرضى ليسوا جميعهم من البحرينيين وليسوا جميعهم من العرب أو من الذين يتقنون اللغة الانكليزية.
حصول إدارة المستشفى على توقيع المريض إقرارا باطلاعه على وثيقة حقوقه وواجباته لا يعني أنها برأت ساحتها لأن توقيع المريض لا يعني أنه قرأ واستوعب ما فيها ، والموضوع ينبغي أن يخرج من دائرة "إبراء الذمة والساحة " إلى دائرة أخرى أوسع يمارس فيها جميع الأطراف حقوقهم وواجباتهم دون الحاجة إلى توقيع وإقرار حيث المطلوب أن يتحول كل ذلك إلى سلوك وثقافة أفترض أن من السهل على مجتمع كمجتمع البحرين اكتسابهما .
في اعتقادي أن معرفة الجميع بحقوقه وواجباته من شأنه أن يوفر علينا الكثير من المشكلات والكثير من الوقت والجهد اللذين نحتاجهما للارتقاء بهذا المجتمع.
كتبها فريد عيسى في 08:28 مساءً ::
