المنعوت دائما

الجمعة,حزيران 27, 2008


 صباح الأربعاء الماضي بعدما تجاوزت الساعة الثامنة بقليل  رن هاتفي  لأفاجأ بالمتحدثة تخبرني أن وزير التربية والتعليم الدكتور ماجد بن علي النعيمي يريد التحدث معي .ماذا يريد الوزير مني في هذا الوقت المبكر بالنسبة لنا معشر  الصحفيين ؟ وخلال الثواني المعدودات التي استغرقتها عملية تحويل الخط استعرضت كافة محتويات عدد اليوم من "الوقت" والذي كنت قد سهرت عليه ليلا لعلي أجد ما قد يكون ربما سببا في إزعاج الوزير أو الإساءة للوزارة فلم أجد ، واستمر السؤال كبيرا وضاغطا ..ماذا يريد الوزير  ؟ ما الذي حدث وجعل أحد أعضاء الحكومة يتصل بي باكرا ؟

في مهنتنا هذه تعودنا أن الاتصال الآتي من أي مسئول في الصباح الباكر يعني أن أمرا ما قد حدث ينبغي إصلاحه فورا أو على الأقل توفير مبررات حدوثه قبل إصلاحه. هنا في "الوقت" وفي غيرها من الصحف والمطبوعات التي عملنا بها تعودنا أن اتصال المسئول الأول  في المؤسسة باكرا يعني أننا ارتكبنا خطأ فادحا ..بالعامي يعني " في زف " ، فما الذي دفع وزير التربية والتعليم ليطلبني في مثل هذا الوقت ؟

من نبرة الصوت في كلماته الأولى اطمئن قلبي وأدركت أنه لا يوجد ما يغضبه كمسئول في الدولة ، بهدوء وببساطة قال الوزير " وددت فقط أن أعبر لك (كقارئ ) عن إعجابي بالمقال الذي كتبته في اليوم الفلاني ( تم تحديده ) فأنا أقرأ كل مقالاتك وهي تعجبني ولكن المقال المذكور بالتحديد قدرت أنه أكثر تميزا فطلبت من أعضاء مكتبي تذكيري للاتصال بك للتعبير عن إعجابي كقارئ ولكن يبدو أنهم تعجلوا الاتصال فأنا أعرف أن هذا الوقت بالنسبة للصحفيين يعتبر مبكرا " .

شكرت الوزير اتصاله ولطفه وانتهت المكالمة ولكنني ظللت للحظات تحت هول المفاجأة غير مدرك لما قال وما قلت ، ربما لأنها المرة الأولى التي يصلني فيها اتصال مبكر خارج مساحة اللوم والعتاب التي تعودت عليها في مثل هذا الوقت من النهار  ليعاودني السؤال هذه المرة بقوة أكبر " ماذا يريد الوزير ؟" .

 لم أشتت تفكيري وقررت أنه إنما كان يريد فقط أن يعبر عن رأيه ورضاه عن مقال لي قرأه فمعرفتي بشخصه الكريم تجعلني أتحمس للقول إن ما في قلبه هو على لسانه وهو صريح بطبعه لا يعرف اللف ولا الدوران ، فنقلت ما حدث إلى هيئة التحرير الذين بدورهم عبروا عن فرحتهم بمثل هذا الاتصال وقدروا للوزير هذه المبادرة .

الآن وأنا أكتب هذا المقال وجدتني مندفعا للإشارة إلى مسألة الثواب والعقاب وهي مسألة للأسف الشديد تخلو منها كثير من مؤسساتنا ويبتعد عنها كثير من المسئولين الذين يتحمسون لتطبيق العقاب إن أخطأ الموظف أو العامل مهما كان خطأه بسيطا ولكنهم لا يثيبونه على عطائه وإبداعه وجهده مهما كان ما قدمه كبيرا ومميزا .

بعيدا عن المسئول والعامل أجد بعض القراء اليوم لا يترددون عن مهاجمة الكاتب وانتقاده بعنف بل حتى توجيه الشتائم له لو أنه كتب ما لا يتوافق مع وجهة نظرهم أو مواقفهم لكنهم لا يكلفون أنفسهم عناء امتداح ما كتبه لو كان لا يتعارض مع تفكيرهم واستيعابهم وتوجهاتهم .

من هنا تتضح قيمة اتصال وزير التربية والتعليم الذي حرص خلاله على الثناء على ما أكتب وتشجيعي . ورغم أن اتصال الوزير يمثله شخصيا إلا أن انتماءه إلى الحكومة يعطيك الشعور أن الحكومة كلها وعلى رأسها سمو رئيس الوزراء يتابعون ما تكتب و يقرأون لك ويثنون عليك وعلى أدائك خاصة إن كنت تكتب ما فيه مصلحة لهذا الوطن وتكتب ما يجمع الشمل ويوحد بين المواطنين وما قد يسهم في تقريب وجهات النظر .

شخصيا أشعر بالفخر أن يكون الدكتور النعيمي واحدا من قرائي وهذه معلومة تدفعني للاعتقاد أن آخرين ممن يعتز بهم هذا الوطن ولهم دور في الارتقاء به يتجشمون عناء قراءة ما أكتب ، وهذا أعتبره مؤشرا على النجاح وهو ما يحلم به كل كاتب لأن الكاتب من دون وصوله إلى القراء يعني جهدا ضائعا لكنه بهم يستطيع أن يعبر عبر المنبر المتاح له عن آرائه وتفكيره وتوجهاته ، ودونما شك فإن اتساع قاعدة القراء يعني النجاح .

كل الشكر والتقدير للأخ الدكتور ماجد بن علي النعيمي وزير التربية والتعليم على اتصاله الجميل والشكر موصول إلى كل القراء الذين لا يبخلون ببعض من وقتهم لقراءة ما أكتب سواء اتفقوا معي أم لم يتفقوا وأتمنى أن أكون عند حسن ظن جميع القراء دائما ، ولعلها فرصة مناسبة لأؤكد أن ما أكتبه إنما يعبر عن قناعاتي الشخصية وهو بالتأكيد لا يعبر بالضرورة عن سياسة جريدة "الوقت" ولعل القراء الكرام لاحظوا أيضا التوجه العقلاني الذي أسعى دائما للتأكيد عليه ففي اعتقادي أن كل ما نحتاجه في هذا الوطن الجميل اليوم هو أن نعطي العقل فرصة للتحرك ففي وجوده نتسامح وننسى كل المواقف السابقة والتي ربما تكون سببا في ابتعاد أحدنا عن الآخر وننسى كل ما بيننا من تناقضات واختلافات .