المنعوت دائما

الجمعة,حزيران 13, 2008


جاءني زميل ، قال لي فرحا لقد صدم أحدهم سيارة ابني وهي واقفة عند باب البيت وهرب . قلت لكن طريقتك في نقل الخبر غير مناسبة للموقف فأنت تتحدث عن خطأ أخلاقي فادح وخسارة مادية أنت تعلم مقدارها وفي نفس الوقت تبدو فرحا ، فقال هذا صحيح ولكنني لم أكمل لك الخبر بعد فما أفرحني في ما حدث هو أن رجلا طرق باب بيتي في اليوم التالي وأخبرني أن ابنه هو من صدم سيارتنا وقدم اعتذاره ثم أرسل ابنه ليعتذر عما بدر منه في حقنا.. ورتب معنا مسألة التصليح ودفع قيمته ، ولهذا جئتك بالخبر وأنا مبتسما ضاحكا ،  فما حدث يؤكد أن الدنيا لا تزال بخير وأن تمسك البعض بهذه القيم يعني أن تأثير كل ما نعيشه من متغيرات يظل ضعيفا فنحن أمة راقية ولا يسمح عقلاؤنا لقيمنا وأخلاقنا أن تضيع مهما فعل الآخرون الذين يريدون بأمتنا السوء إضافة إلى أن الإسلام هو الأخلاق ..وطلب مني أن أروي القصة في هذه المساحة .

ما جاء به الزميل لا يندرج تحت بند القصص النادرة ولكن تحت بند القصص التي يتناقص عددها كلما أوغلنا في "التقدم" و كلما تقدمنا في حب الذات وابتعدنا عن ديننا وتراثنا وعاداتنا وتقاليدنا و أهلنا ، ولعل كل واحد منا يتذكر موقفا أو أكثر شهده أو سمع عنه يماثل الموقف الذي رواه الزميل قبل أن يتحسر على تناقص مثل هذه المواقف الإيجابية .

يروي صديق أنه عندما توجه إلى موقف السيارات الذي ركن فيه سيارته وجد رجلا في انتظاره ليست بينهما معرفة سابقة قدم نفسه وعرفت إنه ينتظر هنا منذ أكثر من ساعتين ليريني "شمخا" صغيرا في سيارتي قال إنه حدث بسبب خطأ ارتكبه وهو يحاول إخراج سيارته من الموقف ، فزادت دهشتي عندما نظرت إلى الأثر فأخبرته إن ما حدث " ما يسوى " تتعطل بسببه كل هذا الوقت ولعله كان من المناسب أن تترك رقم هاتفك على السيارة لتسوية الأمر لاحقا فأكد لي إنه حتى لو تأخرت إلى الليل لانتظرني لأن الأخلاق التي نشأ فيها لا تسمح له بارتكاب مثل هذه الفعلة وهو يخاف ألا أتصل به أو يضيع الرقم مني فلا يعرف إن كنت قد سامحته أم لا .

ويروي آخر إنه كان يسكن في بناية واكتشف ذات مرة أن في سيارته الزرقاء أثرا بسبب احتكاك سيارة حمراء اللون بها  فاستنتج أن الفاعل هرب ولكن لأن سيارته قديمة قرر أن يسكت ، وهكذا كان .ولكنه بعد عدة أيام تبين له إن جاره ( وهو رجل محترم يلقي بالسلام عليه دائما إذا التقيا في المصعد أو عند باب البناية ويبدو عليه أنه "شخصية" ) هو الفاعل ففي سيارته الحمراء يبدو أثر الحادث واضحا وقد أخذت شيئا من لون السيارة الزرقاء ، لذا قرر أن يترك له بطاقة على باب شقته يخبره فيها بأنه عرف أنه هو الفاعل الهارب ويلومه .عندما جاء الليل فوجئ بالرجل يقف عند باب شقته يطلب منه أن يسمع مبرراته فأدخله وقام معه بواجب الضيافة ليكتشف بعدها أن الرجل لم يكن يعرف بما حدث وأنه كان مريضا مقيما في المستشفى قبل أن يقيم في الشقة للراحة بعد عملية جراحية كبيرة كشف عنها وأن حارس البناية الذي أوكل إليه مهمة تنظيف السيارة هو الذي قام بتحريكها والاصطدام بسيارته ولم يخبره بما حدث..وأصر على تحمل المسئولية بعد أن اعتذر طويلا.

... وقصص أخرى كثيرة يمكن جمعها وتدوينها ، لكن المؤلم في الموضوع هو أن هذه القصص في تناقص مستمر ما يعني أننا قد نصل قريبا إلى اليوم الذي نبتعد فيه كثيرا عن أخلاق كهذه وتمسك بالقيم والعادات والتقاليد مثلما وصلنا إلى اليوم الذي لا نسمح فيه لأحد بالمرور قبلنا في الشارع أو التقدم علينا في الطابور أمام الصراف الآلي أو حتى الخباز .وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى وقفة خاصة وإلى دراسة وتحليل ، فبعد أن كنا "نتعازم" على بعض لنسهل أمام بعضنا الطريق صرنا نغضب من سائق السيارة الذي "يتجرأ" و"يطوفنا" أو يعتقد مجرد اعتقاد أننا سمحنا له بالمرور قبلنا و صرنا نتضايق حتى من الشخص الذي يسمح لمتقدم في السن أو امرأة بالمرور أو الوقوف قبلنا في أي طابور حتى لو كان الطابور في مكان مغلق ومكيف .

من هنا تتضح أسباب فرحة زميلي بما حدث له رغم كل شيء حيث معرفة الرجل بالخطأ الذي ارتكبه ابنه وتقدمه للاعتذار وإجبار الابن على التقدم والاعتذار يعني أن قيما وأخلاقا ظلت جزءا منا و نتمسك بها لا تزال في المساحة التي يمكن لها أن تستمر رغم كافة المتغيرات التي يفرضها إيقاع الحياة المعاصرة .

ولكن ، هل نترك الأمور هكذا للظروف والصدف ؟ في اعتقادي لو سلكنا هذا الطريق فسنكتشف بعد سنوات قليلة أن القصص التي نقول عنها اليوم قليلة صارت قصصا نادرة ، لذا لا بد من تدارك الأمر ولا بد أن يعي كل  منا دوره إزاء هذا التحدي الذي نعيشه والذي يتهدد كل قيمنا وأخلاقنا .

مبروك لزميلي تعطل سيارته .. فلا تزال دنيانا بخير .