كنيته بو فهد ، هاتفني طالبا لقائي في مكتبي بمبنى الجريدة ، حضر في الموعد المحدد وبيده كمية من الأوراق وضعها في مظروف كبير ، أما وجهه فكان يحمل كل ما يمكن أن يخطر على البال من الآلام والحسرة ، قال لي " طلبت مقابلتك لتكتب عن مشكلتي وملخصها أنني أبحث عمن يساعدني على شراء طاولة لأبنائي لزوم الدراسة " ، فظننت للوهلة الأولى إنه إنما يطلب مساعدة مالية شأنه شأن بعض القراء ممن يعانون من ضيق ذات اليد فننشر مشكلاتهم في منتدى القراء لعل أحدا من أهل الخير يعينهم ، لكنني فوجئت به يؤكد إنه يمتلك قيمة الطاولة لكنه لا يجد المكان الذي يضعها فيه .
هل هو لغز ؟ سألته ، فقال لا ، كل ما في الأمر أنني أعيش و زوجتى وأبنائي الأربعة في شقة صغيرة منذ أكثر من عشرين سنة لا تستوعبنا ، لكن مشكلتي ليست فقط في توفير مكان للمكتب الذي يحتاجه أبنائي لزوم الدراسة وإنما تمتد إلى أن أبنائي وهم ولدان وبنتان ينامون جميعهم في غرفة واحدة وجميعهم في مرحلة المراهقة ، ولا أخفي عليك أنني صرت لا أنام الليل خوف أن تقع أمور ليست على البال رغم اقتناعي وأم عيالي بأننا بذلنا جهدا طيبا في تربيتهم التربية الدينية والأخلاقية التي تحفظنا من مثل هذا الشر .
وأضاف بو فهد ، لست أريد ما لا تستطيع عليه الحكومة ، كل ما أريده هو توفير شقة أكبر تسعني وعيالي ويكون لكل منا فيها شيئا من الخصوصية ونتمكن من الحركة ونشعر أنه لا يزال أمامنا أمل للوصول إلى الوحدة السكنية التي ننشد فنحن لا نزال دون إمكانية استئجار شقة واسعة من غير الإسكان . حاليا نعتبر أنفسنا محبوسين في الشقة بل لا أجد حرجا في القول إن ابنتي لا تجدان مفرا أحيانا من النوم في سريري ، أما الواجبات المدرسية فتنجز على الأرض وهي كلها أوضاع غير صحية نعلم جميعا نتائجها . وبالطبع فلا يمكن لأبنائي أن يدعون أحدا من أصدقائهم إلى الشقة تحت أي ظرف .
بألم قال بو فهد إنه لا يحب أن يلقي باللوم على أحد ولكنه يعتب على المعنيين بتسلم الرسائل والشكاوى في مكاتب المسئولين ومنها مكتب سمو رئيس الوزراء الذين يبدو أنهم لا يوصلون ما يتسلمونه إلى المسئولين ، مبديا دهشته من أن أحدا لم يتصل به للاستفسار عن موضوعه قط " فلعل ما كتبته في الرسائل غير صحيح " .
سألته عن المساعدة التي يأملها مني كمسئول في الجريدة فقال لست أريد تصوير شقتي ولست من الذين يرفعون الصوت عاليا ويسعون إلى الوصول إلى مطالبهم وحل مشكلاتهم بالصوت العالي وكل ما أريده هو أن تعدني بالكتابة عني وعن هذه المشكلة التي تكبر كلما كبر العيال فلعل أحدا من المسئولين يلتفت إلينا ويسألنا عن تفاصيل المعاناة التي نعيشها يوميا أنا وزوجتي وعيالي في شقة صغيرة لا تكفي لشخصين فما بالك لستة أشخاص وهي شقة لا يتوفر فيها سوى حجرتين إحداهما لي ولزوجتي والثانية لعيالي جميعهم وهم كما ذكرت كلهم في سن المراهقة ووجودهم في غرفة واحدة يسبب لنا القلق .
بو فهد ختم اللقاء بقوله إنه ملزم بتوفير الكثير من الطلبات لعياله وهو قادر على توفيرها باعتبار أن مدخوله يعتبر جيدا إلى حد ما لكنه لا يستطيع أن يوفر شيئا منها بسبب ضيق المكان ، مبينا أنه يمتلك بعض المال لكن هذا المال لا يمكن أن يكفي لبناء بيت مهما كان صغيرا في هذا الزمن الصعب مشيرا إلى أن وزارة الإسكان كانت قد منحته قرضا لكنه لم يتسلمه لأنه يعرف أنه لا يعينه على بناء أرض أو شراء بيت .
مشكلة بو فهد ليست المشكلة الوحيدة من هذا النوع فبيننا الكثير من الشباب البحريني الذي يعاني مثله ويعيش ظروفا صعبة ربما لا يعلم بهم إلا الله سبحانه وتعالى ، وإذا كان بو فهد يمتلك قيمة الطاولة التي تحدث عنها لكنه لا يمتلك لها المكان فإن آخرين وهم كثر لا يمتلكون حتى قيمة الطاولة مهما كان "الكواليتي مالها " ، وأعتقد أن المشتغلين في الهم الاجتماعي والبلديين تحديدا يعرفون تفاصيل التفاصيل في هذا الخصوص ويضعون يوميا أيديهم على قصص ربما يصعب تصديقها لكنها للأسف موجودة ويعبر أصحابها عنها بطريقة أو بأخرى إلا إن اختاروا "التعفف" .
هل هو وضع طبيعي أن يعاني أبناء البحرين من مثل هذه المشكلات ؟ هل يجوز أن يعاني شبابنا البحريني من مثل هذه المشكلات في ظل ارتفاع أسعار النفط ؟ هل يجوز أن يعيشون في قلق خوفا على أبنائهم المراهقين الذين لا يجدون مفرا من تركهم ينامون معا في غرفة واحدة بينما نحن محسوبين على الدول قليلة السكان والتي لا تعاني من نقص في الثروات ؟
لست هنا أريد أن ألقي اللوم على الحكومة ولو أنه لا يمكن تبرئتها من هذه الحال التي لا تليق بخليجيين ولكنني أدعو إلى اعتبار هذا الموضوع من أولوياتنا جميعا حيث المسئولية مسئولية الجميع ولا بد من إيجاد مخارج لكل بحريني يعاني من مشكلة السكن فليس من المقبول أن يعيش البحريني اليوم في ظروف كهذه بل لا بد من توفير الظروف له ليعيش وليعمل و ليبدع .. إلا إن كان البعض يعتقد أن الإبداع لا يخرج إلا عبر المعاناة والعيش في الظروف الصعبة .
كتبها فريد عيسى في 06:12 صباحاً ::
فريد
اسلوبك في نقل المشهد وتقريبنا من واقع حال ابو فهد بارع بشكل كبير
والله ان قلبي تقطع من الحزن على حال هذا المسكين
الغريب ان البحرين انتشرت فيها الطبقية وهذا غني وهذا فقير بشكل كبير اتوقع ان الفئة العاملة او الوسطى انقرضت من زمن
وانا متأكد ان وافد هندي يعيش في شقة اوسع وحالة افضل
كان الله بعونكم
والحمدلله انك اوفيت بوعدك لابو فهد ونشرت معاناته
تحياتي
رشدي الغدير
