إذا قلت ما لا نقول ستدخل النار

 

 
بعض التعليقات والرسائل التي تتضمن تعقيبات على ما أكتب من مقالات تحتوي كلاما ملخصه " كيف ستواجه رب العالمين يوم القيامة يا فريد وأنت تؤمن بوجهة النظر هذه أو تقف مع هذا الطرف الذي لا نقف نحن معه .. ودع فلانا وهذه الجهة أو تلك يفيدونك في ذلك اليوم " وهو كلام يعني ضمن ما يعني أنك كافر أو مرتد إن لم تقل ما نقول وأنك ضدنا إن لم تكن معنا وهو نفس المنطق الذي اعتمده الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إثر الهجوم على أميركا في 11 سبتمبر .
ما يريد هذا البعض قوله تحديدا هو أنك إن بينت أن الحكومة أو أيا من وزاراتها أو مؤسساتها وتحديدا وزارة الداخلية على حق (حتى لو كانت كذلك ) فإن موعدك النار وبئس المصير ، أما إن قلت إنها على خطأ ( حتى لو كانت على غير ذلك ) فإن لك منا صكا نضمن لك به دخول الجنة . ويكاد هؤلاء أن يقولوا " إننا سنسهل لك أمر الوقوف بين يدي رب العالمين يوم القيامة لو وقفت معنا في كل الأحوال بغض النظر إن كنا على حق أو على  باطل " .
شخصيا لا أعرف لماذا يتوقع البعض مني أن أكون مع هذا الفريق وليس مع الفريق الآخر أو مستقلا تماما مثلما لا أعرف كيف يحق للبعض اعتبار موقفي ضعيفا أمام رب العالمين يوم لا ظل إلا ظله .
ما ينبغي أن نتفق عليه هو أن قناعات الأفراد وثقافاتهم وانتماءاتهم تختلف وهذا يعني أن كل فرد ينظر إلى أي موضوع من زاويته هو وليس من الزوايا الأخرى التي ينظر منها الآخرون لأنه طالما وجد الاختلاف فإن الزوايا التي ينظر منها إلى أي موضوع ستتعدد وهذا حق ينبغي أن يتمسك به كل فرد .
لا يمكن أن نكون جميعا (كوبي) وليس جميلا أن ننقاد لرأي معين حتى لو أننا نؤمن بجزء منه ، هذا أسلوب الأحزاب حيث المنتمي إلى حزب ما مطلوب منه أن يقول ما يقوله الحزب وينفذ ما يأمره به قادة الحزب  ويحتفظ برأيه لنفسه ، والحزبي في خاتمة المطاف مثله مثل العسكري الذي عليه أن ينفذ الأوامر مهما كانت وإلا تعرض للعقاب ، والجميع يعرف المبدأ الشهير (نفذ ثم ناقش).
لست حزبيا ولست مرتبطا بأي جهة تضطرني إلى الدفاع عن وجهة نظرها وتنفيذ ما تأمر به ، أنا أكتب ما أراه صحيحا من زاويتي وهذا يعني أنني لست بالضرورة على صواب كما أنه يعني أن الآخر ليس بالضرورة على صواب أيضا فكلانا ينظر من زاويته ومن قناعاته ومن المعطيات المتوفرة بين يديه .
في موضوع حادثة جدحفص كاتبني شخص قال إنه ابن عم المعني بالموضوع وأنه يعرفه حق المعرفة وأنه شديد الإيمان بالله ولا يمكن أن يفعل ما قيل أنه فعله خاصة وأنه متزوج من اثنتين . هذا رأي استند فيه صاحبه إلى معلومات محددة يمتلكها قرر بناء عليها أن الرجل بريء من مثل هذه التهمة وأنه معتدى عليه وأنه مظلوم . ولعل آخر اتخذ القرار نفسه اعتمادا على معلومة أخرى مثل ما قيل عن التزامه الديني أو نشاطه الاجتماعي أو غير ذلك  بينما اتخذ آخرون قرارا مختلفا بناء على ما تيقنوا منه من أنه قدم معلومات غير صحيحة. هذا يعني أن كل واحد منهم نظر إلى الموضوع من زاوية معينة قرر بناء عليها أن الشخص مذنب أو غير مذنب ، مظلوم أو ظالم ، مفتر أو مفترى عليه .
والأمر نفسه يمكن تطبيقه على أي موضوع ، لكن ما يحدث في مجتمعنا اليوم هو أن البعض قرر أن علينا أن نقول ما يقوله رجل الدين وأن نفعل ما يريد منا فعله وإلا فإننا مخطئون وحسابنا يوم القيامة عسير وأننا لا نستحق تذكرة الدخول إلى الجنة . بمعنى أنك ممتاز طالما أنك معنا على الحق والباطل لكنك شين وغير محترم لو قلت مالا نقول ووقفت مع  من نعتبره خصمنا .
هذا واقع ينبغي أن نرفضه لأنه مخالف للمنطق ومن شأنه أن يلغي شخصية الفرد . لا يمكن القول إن الحكومة على خطأ في كل شيء مثلما لا يمكن القول إن غير الحكومة على خطأ في كل شيء ، ولا يمكن القول إن الناس على صواب أو على غير صواب طالما أنهم رفضوا رواية بعينها أو قبلوها ، ولا يمكن القول إن فلانا بريء أو مذنب طالما أن علانا يرى أنه كذلك .
قوة إبصارك تختلف عن قوة إبصاري ومقدار ذكائي يختلف عن مقدار ذكائك وثقافتنا تختلف وكذلك  قدراتنا وخبراتنا وتجاربنا، وعليه فإن الزاوية التي ينظر كل واحد منا من خلالها إلى أي موضوع تجعل كل واحد منا يقرر أمورا مختلفة عن التي قررها الآخرون . وليس في هذا الاختلاف الذي هو سنة الكون ما يجعل موقف الآخر المختلف معي في الرأي وفي القرار وفي الاستنتاج صعبا أمام رب العالمين يوم القيامة .
كلنا يتق الله سبحانه وتعالى بطريقته وليس لأحد منا أن يقرر أن تقوى فلان دون مستوى التقوى المطلوب لأنه لم يقل ما أقول به أو لم يقف معي في كل شيء فهذه المساحة خاصة برب العالمين الذي نحمده حمدا كثيرا على أنه سبحانه وتعالى هو من سيتكفل بمحاسبتنا يوم الحساب وليس أحدا من مخلوقاته.. أو ممن أحظى بشرف قراءتهم لمقالاتي .


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر